
مقدمة: مفارقة المشهد الرقمي اليمني
عند النظر إلى المشهد الرقمي في اليمن، تبرز مفارقة صارخة ترسم ملامح سوق فريد من نوعه. فمن ناحية، تعاني البلاد من تحديات هائلة في البنية التحتية، واضطرابات ناجمة عن الصراع، وتسجل واحدة من أدنى معدلات انتشار الإنترنت في العالم.[1, 2] ومن ناحية أخرى، نشهد نموًا انفجاريًا في تفاعل المستخدمين على منصات رقمية محددة، مما يشير إلى وجود شريحة سكانية نشطة ومتحفزة على الإنترنت، وإن كانت محدودة العدد.[3]
هذا المقال ليس مجرد استعراض للبيانات، بل هو دليل استراتيجي مصمم خصيصًا للمسوقين ورواد الأعمال والمستثمرين الذين يتطلعون إلى فهم أعمق لهذا السوق. الهدف هو تجاوز الأرقام الأولية التي قد تبدو محبطة، والغوص في الديناميكيات الخفية، وفهم التعقيدات الفريدة للسوق اليمني، والكشف عن الفرص الكبيرة والمستترة التي تكمن في طياته. لفهم اليمن اليوم، يجب أن نروي قصتين في آن واحد: قصة الـ 33.9 مليون شخص الذين لا يزالون غير متصلين بالإنترنت [3]، والقصة الأخرى التي لا تقل أهمية، وهي قصة الـ 7.29 مليون مستخدم متصل وسلوكهم الذي يخبرنا الكثير عن المستقبل.
1. لمحة سريعة على المشهد الرقمي: المؤشرات الحيوية لليمن في 2025
قبل الغوص في التحليل الاستراتيجي، من الضروري وضع أساس متين من الأرقام والمؤشرات الرئيسية التي تشكل الواقع الرقمي في اليمن. هذه البيانات تمثل “ماذا” يحدث، والتي سنبني عليها لاحقًا فهم “لماذا” و”ماذا يعني ذلك”.
- إجمالي السكان: بلغ عدد سكان اليمن 41.2 مليون نسمة في يناير 2025، مع تركيبة سكانية شابة بشكل لافت، حيث يبلغ متوسط العمر 18.4 سنة فقط.[3]
- مستخدمو الإنترنت: وصل عددهم إلى 7.29 مليون مستخدم، وهو ما يمثل معدل انتشار منخفض يبلغ 17.7% فقط من إجمالي السكان.[3]
- السكان غير المتصلين بالإنترنت: لا يزال هناك 33.9 مليون شخص، أي ما يعادل 82.3% من السكان، غير متصلين بالإنترنت، مما يمثل فجوة رقمية هائلة.[3]
- مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي: يوجد 4.40 مليون حساب نشط على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يمثل 10.7% من إجمالي السكان، ولكنه يشكل نسبة ضخمة تبلغ 60.4% من إجمالي مستخدمي الإنترنت.[3]
- اتصالات الهاتف المحمول: بلغ عددها 22.6 مليون اتصال، أي ما يعادل 54.9% من السكان، مما يشير إلى أن العديد من الأفراد قد يمتلكون أكثر من شريحة SIM، أو أن بعض هذه الاتصالات لا تشمل خدمات البيانات.[3]
لتوضيح هذه الأرقام بشكل أفضل، يقدم الجدول التالي لمحة سريعة ومقارنة للمؤشرات الرئيسية مع معدلات النمو السنوية.المؤشرالعدد (يناير 2025)النمو السنوي (YoY)إجمالي السكان41.2 مليون+3.0%مستخدمو الإنترنت7.29 مليون+3.0%معدل انتشار الإنترنت17.7%لم يتغيرمستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي4.40 مليون+22.3%اتصالات الهاتف المحمول22.6 مليون+5.4%
المصدر: [3]
يكشف هذا الجدول عن ديناميكية أساسية تحدد شكل السوق اليمني: “فجوة التفاعل مقابل الانتشار”. في حين أن نمو عدد مستخدمي الإنترنت الإجمالي متواضع (+3.0%)، فإن نمو عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي انفجاري (+22.3%). هذا التباين الهائل ليس مجرد رقم، بل هو قصة كاملة. إنه يخبرنا أن المستخدمين الجدد الذين يدخلون عالم الإنترنت يتجهون مباشرة وبشكل جماعي إلى منصات التواصل الاجتماعي، وأن المستخدمين الحاليين يزيدون من نشاطهم عليها.
هذا يقودنا إلى استنتاج حاسم: نحن نشهد في اليمن نموذج تبني للإنترنت يعتمد على “التواصل الاجتماعي أولاً”. على عكس الأسواق الناضجة حيث قد يكون الدافع لاستخدام الإنترنت هو البريد الإلكتروني أو العمل أو البحث العام، تشير البيانات إلى أن الدافع الأساسي للتغلب على تكاليف الاتصال الباهظة وضعف البنية التحتية في اليمن هو الرغبة في الوصول إلى منصات مثل تيك توك وفيسبوك. بالنسبة للمسوقين، هذا يعني أن وجود علامتك التجارية على وسائل التواصل الاجتماعي ليس مجرد قناة تسويقية إضافية؛ بل هو على الأرجح نقطة الاتصال الأولى والوحيدة التي سيحظى بها مستخدم جديد للإنترنت مع علامتك. البوابة الأمامية للإنترنت في اليمن هي تطبيق تواصل اجتماعي.
2. فك شفرة مستخدم الإنترنت اليمني: بين فجوة البنية التحتية وواقع المستخدم

لفهم سلوك المستخدم الرقمي في اليمن، يجب أولاً فهم البيئة التي يعمل ضمنها. الأرقام المنخفضة لانتشار الإنترنت ليست نتاج تردد ثقافي، بل هي نتيجة مباشرة لواقع قاسٍ يتعلق بالبنية التحتية والتحديات الاجتماعية والاقتصادية.
الواقع القاسي للبنية التحتية
يعاني اليمن من واحدة من أسوأ خدمات الإنترنت وأكثرها تكلفة في العالم.[2] يعتمد الاتصال في البلاد بشكل شبه كامل على كابل بحري واحد قديم، وهو كابل FALCON، الذي تم تركيبه في عام 2006.[2, 4] هذا الاعتماد على نقطة فشل واحدة يجعل البلاد عرضة لانقطاعات شاملة للإنترنت تستمر لأسابيع عند تعرض الكابل لأي ضرر، وهو ما حدث مرارًا وتكرارًا بسبب حوادث أو أعمال مرتبطة بالصراع.[4, 5]
تعد سرعات الإنترنت عبر الهاتف المحمول من بين الأبطأ عالميًا [2]، بينما تصل تكلفة الإنترنت الثابت إلى مستويات باهظة تجعلها بعيدة عن متناول الغالبية العظمى من السكان.[5] علاوة على ذلك، تفتقر البلاد إلى مراكز بيانات كافية ونقاط تبادل إنترنت (IXPs) محلية، مما يعني أن معظم حركة المرور على الإنترنت يجب توجيهها دوليًا، وهو ما يزيد من زمن الاستجابة (latency) والتكلفة بشكل كبير.[4, 6] ومع ذلك، هناك بصيص أمل يلوح في الأفق، حيث أظهرت التجربة التجريبية الناجحة لخدمة ستارلينك (Starlink) في عدن مسارًا مستقبليًا محتملاً لتوفير اتصال أفضل عبر الأقمار الصناعية، متجاوزة بذلك قيود البنية التحتية الأرضية.[2]
العنصر البشري: مجتمع شاب ومتقبل للتكنولوجيا
على الرغم من هذه التحديات، فإن التركيبة السكانية في اليمن هي المحرك الأقوى للنمو الرقمي المستقبلي. يبلغ متوسط العمر 18.4 عامًا فقط، وأكثر من 60% من السكان تقل أعمارهم عن 25 عامًا.[3, 7] هذا يعني أننا نتحدث عن جيل من “المواطنين الرقميين” الذين ينتظرون بفارغ الصبر فرصة الوصول إلى التكنولوجيا. شبابهم يجعلهم بطبيعتهم أكثر قدرة على التكيف والحرص على تبني الأدوات والمنصات الرقمية الجديدة بمجرد إزالة حواجز التكلفة والوصول.
الفجوة الرقمية العميقة
الفجوة الرقمية في اليمن ليست مجرد فجوة في الوصول، بل هي متعددة الأوجه:
- الفجوة بين الجنسين: تعد هذه واحدة من أهم السمات التي يجب على أي مسوق فهمها. تشير البيانات إلى أن جمهور الإعلانات على فيسبوك، على سبيل المثال، يتكون من 86.4% من الذكور.[3] هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو قيد أساسي في السوق. العوامل الاجتماعية والثقافية، والمخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمان، ومحدودية المعرفة الرقمية تمنع العديد من النساء من المشاركة بفعالية في الفضاء الرقمي.[8]
- فجوة الإلمام بالقراءة والكتابة: معدلات الأمية بين البالغين في اليمن منخفضة بشكل عام، مع وجود تفاوت كبير بين الذكور والإناث.[9, 10] هذا التحدي الأساسي في التعليم التقليدي يترجم مباشرة إلى تحدٍ في “محو الأمية الرقمية”. لا يمكن للعديد من المستخدمين المحتملين التنقل بفعالية في المواقع والتطبيقات التي تعتمد بشكل كبير على النصوص.
لكن، هناك ما يثبت أن هذه الحواجز ليست مستعصية. فالنجاح المذهل لبرامج محو الأمية الرقمية الموجهة، مثل مبادرة لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) التي شهدت زيادة في معرفة النساء المشاركات بمقدار أربعة أضعاف تقريبًا، يثبت أمرين: أن الرغبة في التعلم هائلة، وأن الحواجز يمكن التغلب عليها بالنهج الصحيح.[11]
هنا تظهر ديناميكية حاسمة يمكن تسميتها “تجاوز حاجز الأمية” عبر الوسائط المرئية. عندما نربط بين معدلات الأمية المنخفضة [9]، والفجوة الكبيرة بين الجنسين على المنصات النصية مثل فيسبوك [3, 8]، والنمو الهائل لمنصة مرئية وبديهية بالكامل مثل تيك توك (+74.1% نمو سنوي) [3]، تتضح الصورة. المستخدم الذي يعاني من ضعف مهارات القراءة سيجد صعوبة في التعامل مع واجهة نصية. لكن تيك توك، بواجهته التي تعتمد على الفيديو بملء الشاشة، لا يتطلب أي قراءة تقريبًا. يتم استهلاك المحتوى بشكل سلبي ويتم إنشاؤه بأدوات بسيطة تعتمد على الأيقونات. إنه يتجاوز حاجز الأمية التقليدي بفعالية. هذا ليس تفضيلاً عشوائيًا للمستهلك، بل هو تكيف للسوق مع القيود المحددة للبيئة اليمنية. المنصة التي تتطلب أقل قدر من القراءة والأكثر بديهية من الناحية المرئية هي التي تفوز. وهذا يقدم مخططًا لتصميم المنتجات في اليمن: أي تطبيق أو خدمة ناجحة يجب أن تعطي الأولوية للتواصل البصري، وواجهة المستخدم البديهية، وتقليل الاعتماد على النصوص. الملاحظات الصوتية، ودروس الفيديو، والتنقل القائم على الأيقونات ليست مجرد ميزات إضافية؛ إنها ضرورات لاختراق السوق.
3. ساحة المعركة في وسائل التواصل الاجتماعي: أين يقضي الجمهور اليمني وقته؟
7. تصميم الرؤية: أوامر احترافية لتصميم الصور بالذكاء الاصطناعي

بالنسبة للمسوقين، فهم توزيع الجمهور عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة هو حجر الزاوية لأي استراتيجية ناجحة. لا يتعلق الأمر فقط بمعرفة المنصات الموجودة، بل بفهم نقاط القوة والضعف والتركيبة السكانية لكل منها لاتخاذ قرارات مستنيرة حول مكان استثمار الوقت والميزانية.
يقدم الجدول التالي مقارنة استراتيجية للمنصات الرئيسية، محولاً البيانات الأولية إلى أداة لاتخاذ القرار.المنصةإجمالي الوصول الإعلاني (المستخدمون)النمو السنوي (YoY)جمهور الذكورجمهور الإناثرؤية استراتيجية رئيسيةTikTok4.40 مليون (بالغون)+74.1%67.5%32.5%ملك الوصول والنمو بلا منازع؛ القناة الأساسية للتسويق الجماهيري للشباب.Facebook3.80 مليون+5.6%86.4%13.6%حصن راسخ يهيمن عليه الذكور؛ حيوي ولكنه غير فعال للحملات التي تستهدف النساء.Instagram1.95 مليون+25.8%70.7%29.3%مركز التجارة البصرية؛ أفضل توازن بين الجنسين ومنصة مثالية للتجارة الاجتماعية.X (Twitter)1.39 مليون-10.4%85.4%14.6%منصة متراجعة؛ أصبحت قناة متخصصة للأخبار والسياسة وليست للتسويق الجماهيري.LinkedIn630 ألف+26.0%88.0%12.0%قناة متخصصة وضرورية للتسويق بين الشركات (B2B) والتوظيف والخدمات المهنية.Messenger1.10 مليون+0.1%85.7%14.3%أداة لخدمة العملاء والتواصل الفردي؛ نمو راكد وليست قناة للاكتشاف.
المصدر: جميع البيانات من [3]
تحليل معمق للمنصات
تيك توك: الملك غير المتوج للوصول والنمو
بوجود 4.40 مليون مستخدم بالغ ونمو سنوي مذهل بلغ 74.1%، فإن تيك توك ليس مجرد منصة، بل هو ظاهرة ثقافية في اليمن. تصل إعلاناته إلى 60.4% من قاعدة مستخدمي الإنترنت بأكملها.[3] طبيعته التي ترتكز على الفيديو القصير والهاتف المحمول تتناسب تمامًا مع قيود البنية التحتية في اليمن (يعمل بشكل جيد على اتصالات أبطأ) وملف المستخدم (يتجاوز حواجز الأمية). إنه القناة الأساسية للتواصل مع السوق الشامل، وخاصة فئة الشباب.
فيسبوك: الحصن الراسخ الذي يهيمن عليه الذكور
مع 3.80 مليون مستخدم، لا يزال فيسبوك منصة حيوية بسبب حجمه الهائل.[3] ومع ذلك، فإن نموه البطيء (+5.6%) والتركيبة السكانية المنحرفة بشدة نحو الذكور (86.4%) تجعله سيفًا ذا حدين. يجب على المسوقين أن يدركوا تمامًا أنهم يتحدثون إلى جمهور ذكوري بشكل شبه كامل. يمكن اعتباره “المجلس الرقمي” (مكان تجمع الرجال التقليدي)، وليس غرفة معيشة عائلية. أي حملة تستهدف النساء أو العائلات ستكون غير فعالة إلى حد كبير هنا.
انستغرام: مركز التجارة البصرية
يصل عدد مستخدمي انستغرام إلى 1.95 مليون، مع نمو قوي بلغ 25.8%.[3] الأهم من ذلك، أن التوازن بين الجنسين، على الرغم من أنه لا يزال يميل نحو الذكور (70.7%)، إلا أنه أفضل بكثير من فيسبوك. هذا يجعله الأرضية الرئيسية للمنتجات التي تعتمد على الجاذبية البصرية مثل الأزياء والطعام والحرف اليدوية. تنسيقه مثالي لنموذج “التجارة الاجتماعية” (البيع عبر الرسائل المباشرة) الذي يهيمن على السوق اليمني.[12] يمثل انستغرام منطقة نمو رئيسية، خاصة للشركات التي تستهدف جمهورًا مختلطًا أو يميل إلى الإناث.
إكس (تويتر سابقًا): المنصة المتراجعة
الانخفاض الكبير في قاعدة مستخدمي إكس بنسبة -10.4% على أساس سنوي هو مؤشر واضح على تحول تفضيلات المستخدمين بعيدًا عن الحوارات النصية والإخبارية نحو الترفيه والشبكات الاجتماعية المرئية.[3] لقد أصبح منصة متخصصة للمهتمين بالسياسة والأخبار، وليس قناة تسويقية للسوق الشامل.
لينكدإن وماسنجر: أدوات متخصصة
لينكدإن يخدم شريحة صغيرة ولكنها متنامية (+26.0%) تضم 630,000 عضو.[3] إنه ضروري للتسويق بين الشركات (B2B)، والتوظيف، والترويج للخدمات المهنية، ولكنه غير مناسب للتسويق للمستهلكين (B2C). أما ماسنجر، فعلى الرغم من وصوله إلى 1.10 مليون مستخدم، إلا أن نموه شبه متوقف (+0.1%).[3] فائدته مرتبطة بفيسبوك، ويستخدم بشكل أساسي للتواصل الفردي وخدمة العملاء بدلاً من اكتشاف العلامات التجارية على نطاق واسع.
4. التجارة الإلكترونية في اليمن: سوق “جنيني” على وشك الانطلاق

لفهم التجارة الإلكترونية في اليمن، يجب التخلي عن كل المفاهيم المسبقة المستمدة من الأسواق الناضجة. السوق اليمني يوصف بأنه “جنيني” [7]، “غير منظم” [12]، و”غير مشبع”.[7] هذا يعني عدم وجود لاعبين كبار مهيمنين، مما يترك المجال مفتوحًا على مصراعيه أمام المبادرات الجديدة.
يتكون المشهد الحالي من عدد كبير من رواد الأعمال الصغار والبائعين الأفراد.[12] ترسم البيانات صورة واضحة لهذا الواقع: معظم المتاجر عبر الإنترنت لديها أقل من 10 موظفين، وتحقق أقل من 100 دولار شهريًا، وتستقبل أقل من 100 زائر شهريًا.[13] هذه هي التجارة في مستواها الشعبي الأساسي.
النموذج المهيمن: التجارة الاجتماعية هي التجارة الإلكترونية
مواقع التجارة الإلكترونية الرسمية نادرة. الغالبية العظمى من المعاملات تتم من خلال ما يعرف بـ “التجارة الاجتماعية”.[12, 14] يكتشف العملاء المنتجات على فيسبوك أو انستغرام، ثم يكملون عملية الشراء عبر الرسائل المباشرة (DMs) أو واتساب. هذا النموذج ليس خيارًا، بل هو تكيف مباشر مع تحديات السوق: فهو لا يتطلب أي تكاليف فنية على البائع، ويعتمد على المحادثة المباشرة لبناء الثقة المفقودة في النظام البيئي الرقمي.[7]
الحواجز أمام التوسع
يواجه البائعون الأفراد تحديات هائلة تمنعهم من التوسع:
- البنية التحتية والخدمات اللوجستية: الإنترنت غير الموثوق به وغياب شركات شحن وطنية يمكن الاعتماد عليها يجعلان من توصيل الطلبات عقبة رئيسية.[15]
- الثقة والمدفوعات: هذه هي العقبة الأكبر. هناك تفضيل عميق للدفع نقدًا وانعدام ثقة متجذر في الأنظمة الإلكترونية، مما يجعل من الصعب التوسع خارج دائرة صغيرة من العملاء الموثوق بهم.[7, 15, 16]
في قلب هذا المشهد، تكمن فرصة استراتيجية ضخمة لا تتعلق بالبيع المباشر، بل بتمكين البائعين الحاليين. السوق مليء بآلاف البائعين الأفراد الذين يواجهون جميعًا نفس المشاكل: معالجة المدفوعات، ترتيب عمليات التوصيل، وتسويق منتجاتهم.[7, 15] بدلاً من محاولة منافسة هؤلاء الآلاف من البائعين كمتجر إلكتروني آخر، تكمن الفرصة الأكبر في خدمتهم. يمكن لشركة ناشئة أن تنشئ منصة تعمل كـ “مُمكِّن للتجارة الإلكترونية”. هذه المنصة لن تبيع منتجاتها الخاصة، بل ستقدم مجموعة من الخدمات للبائعين الحاليين لمعالجة نقاط الألم الرئيسية لديهم: بوابة دفع موحدة تقبل الأموال عبر الهاتف المحمول وتتتبع الدفع عند الاستلام، شراكات مع سائقي التوصيل المحليين لإنشاء شبكة لوجستية شبه رسمية، وأدوات تسويق بسيطة. الشركة الناشئة الأكثر قيمة في مجال التجارة الإلكترونية في اليمن خلال السنوات الخمس المقبلة قد لا تكون “أمازون اليمن”، بل “شوبيفاي/سترايب اليمن” – خدمة موجهة للشركات (B2B) تمكّن النظام البيئي الحالي من بائعي التجارة الاجتماعية من النمو والتوسع.
5. لغز الدفع الإلكتروني: التنقل في اقتصاد يعتمد على النقد
لا يمكن الحديث عن التجارة الإلكترونية دون تخصيص قسم كامل للعقبة الأكبر أمامها: الدفع. في اليمن، “النقد هو الملك”. تشير التقديرات إلى أن حوالي 85% من المعاملات لا تزال تتم نقدًا.[15] الدفع عند الاستلام (COD) ليس مجرد خيار، بل هو الطريقة الافتراضية والضرورية لممارسة الأعمال التجارية.[7, 12]
هذا الواقع مدفوع بمزيج من العوامل، بما في ذلك ضعف البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وانخفاض الوعي المالي، والمقاومة النفسية، وانعدام الثقة العام في الأنظمة الرقمية.[16]
مشهد التكنولوجيا المالية (FinTech) الناشئ والمجزأ
على الرغم من هيمنة النقد، فإن خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول موجودة بالفعل. من بين اللاعبين الرئيسيين “موبايل موني” من بنك التسليف التعاوني الزراعي (CAC Bank) [17, 18] و”محفظة كاش” [19]، اللتان تقدمان خدمات مثل دفع الفواتير وتحويل الأموال ومدفوعات التجار. ومع ذلك، لا يزال التبني محدودًا للغاية.[16, 20] القطاع المالي غير متطور ومجزأ، حيث تخلق الانقسامات السياسية حالة من عدم اليقين التنظيمي وتعيق تطوير نظام دفع وطني موحد.[20]
محفزات التغيير
هناك محفزات قوية قد تسرع من وتيرة التحول الرقمي في المدفوعات:
- التبني من الأعلى إلى الأسفل: يعد البرنامج التجريبي للبنك الدولي لرقمنة مدفوعات المساعدات النقدية من الحكومة إلى الأفراد (G2P) عاملاً محتملاً لتغيير قواعد اللعبة.[21] عندما يبدأ ملايين الأشخاص في تلقي مدفوعات المساعدات عبر محفظة إلكترونية، فإن ذلك يبني على الفور إلمامًا جماعيًا وثقة وقاعدة مستخدمين ضخمة لخدمات التكنولوجيا المالية.
- التحديث: الجهود التي تبذلها بنوك مثل بنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي لتحديث أنظمتها الأساسية ومنصاتها الرقمية هي خطوات حاسمة نحو بناء بنية تحتية مالية أكثر قوة.[22]
لا يمكن للشركات ببساطة إيقاف خيار الدفع عند الاستلام وتوقع تحول العملاء إلى الدفع الرقمي. فجوة الثقة هائلة.[16] لذلك، يجب على الشركات الذكية اتباع استراتيجية “جسر الثقة” لتبني الدفع الرقمي. لا ينبغي النظر إلى الدفع عند الاستلام على أنه مشكلة يجب التخلص منها، بل كأداة استراتيجية.
تبدأ العملية بتقديم الدفع عند الاستلام كخيار أساسي، مما يزيل مخاطر الدفع عن العميل ويسمح للشركة باكتسابه وتقديم المنتج بنجاح. هنا تبدأ الثقة. في عملية الشراء الثانية أو الثالثة للعميل، تقدم الشركة حافزًا لاستخدام طريقة دفع رقمية، مثل: “ادفع الآن عبر محفظة الهاتف واحصل على خصم 5%” أو “توصيل مجاني للطلبات المدفوعة مسبقًا”. هذه الاستراتيجية تحول سلوك العملاء تدريجيًا من خلال الاستفادة من الثقة التي تم بناؤها في المعاملة الأولى، وتقودهم بلطف نحو نموذج أكثر كفاءة. إنها عملية متعددة الخطوات من التعليم وبناء الثقة، وليست تحولاً مفاجئًا.
6. خارطة طريق الفرص: خطة استراتيجية للنجاح الرقمي في اليمن
بناءً على التحليل الشامل للسوق، يمكن استخلاص خارطة طريق واضحة للمسوقين ورواد الأعمال الذين يطمحون إلى تحقيق النجاح في البيئة الرقمية اليمنية. هذه ليست مجرد نصائح عامة، بل هي استراتيجيات مبنية على البيانات ومصممة خصيصًا لمواجهة تحديات السوق والاستفادة من فرصه الفريدة.
الاستراتيجية 1: إتقان استراتيجية “الموبايل أولاً” والفيديو القصير
الأساس المنطقي: مع هيمنة اتصالات الهاتف المحمول [3]، والنمو الهائل لمنصة تيك توك [3]، والحاجة إلى تجاوز تحديات الأمية [9]، يجب أن يكون كل المحتوى وكل تصميم للمنتجات مُحسَّنًا لشاشة الهاتف المحمول العمودية، وأن يعتمد على التواصل البصري. يجب أن تكون الرسائل سريعة ومباشرة وجذابة بصريًا.
الاستراتيجية 2: بناء الثقة عبر التجارة الاجتماعية المحلية
الأساس المنطقي: في بيئة تتسم بانخفاض الثقة [7]، يعتمد النجاح على إدارة المجتمع والمحادثات المباشرة والفردية عبر الرسائل الخاصة وواتساب. يجب على العلامات التجارية أن تتصرف كأعضاء في المجتمع المحلي، وليس كشركات مجهولة الهوية. هذا يستفيد من نموذج التجارة الاجتماعية السائد [12] ويبني علاقات دائمة تتجاوز مجرد المعاملة التجارية.
الاستراتيجية 3: تبني الدفع عند الاستلام كجسر للتحول الرقمي
الأساس المنطقي: تطبيق استراتيجية “جسر الثقة” المفصلة في القسم السابق. استخدم الدفع عند الاستلام لاكتساب العملاء وبناء الثقة الأولية، ثم قم بتحفيز التحول إلى المدفوعات الرقمية بمرور الوقت، معاملة تلو الأخرى. هذا النهج يحترم عقلية العميل الحالية بينما يوجهه نحو المستقبل.
الاستراتيجية 4: خدمة الشرائح غير المخدومة في السوق
الأساس المنطقي: السوق غير مشبع إلى حد كبير.[7] تكمن الفرص الحقيقية في الأسواق المتخصصة وتقديم منتجات وخدمات تلبي الاحتياجات المحلية المحددة.[7, 15] يمكن أن يكون هذا أي شيء، من توزيع المنتجات المحلية الفريدة مثل العسل اليمني [15] إلى إنشاء منصات للحرفيين المحليين أو تقديم خدمات تعليمية متخصصة.
الاستراتيجية 5: استثمار الفجوة المعرفية وتحويلها إلى فرصة
الأساس المنطقي: يكشف النجاح الهائل لبرامج محو الأمية الرقمية [11, 23] عن طلب ضخم وغير ملبى على التعليم. يمكن للشركات الاستفادة من ذلك من خلال تقديم تدريب مجاني وورش عمل ومحتوى تعليمي كجزء أساسي من استراتيجيتها التسويقية. هذا لا يبني فقط الولاء للعلامة التجارية، بل يخلق قيمة حقيقية للعملاء ويرسخ مكانة الشركة كسلطة موثوقة في مجالها.
خاتمة: المستقبل لمن يفهم الحاضر
في الختام، اليمن هو سوق من التناقضات العميقة. تحت السطح الذي تهيمن عليه تحديات البنية التحتية والصراع، يكمن مجتمع شاب ومرن ومتعطش رقميًا. الفرص الحقيقية ليست واضحة للعيان، بل هي مخفية داخل السلوكيات والقيود الفريدة للسوق. النجاح في الاقتصاد الرقمي اليمني لن يكون حليف الأكبر أو الأسرع، بل حليف الأكثر صبرًا واستراتيجية وتناغمًا مع الثقافة المحلية.
إن رواد الأعمال والمسوقين الذين يأخذون الوقت الكافي اليوم لفهم الفروق الدقيقة لـ “جسر الثقة” في المدفوعات، و”تجاوز حاجز الأمية” عبر الفيديو، وقوة التجارة الاجتماعية المبنية على العلاقات، هم الذين سيصبحون قادة السوق بلا منازع في الغد. المستقبل في اليمن الرقمي ينتمي لأولئك الذين يفهمون حاضره المعقد ويبنون عليه.
المراجع
- DataReportal: Digital 2025 Yemen [3]
- The Washington Institute: Internet Access in Yemen Should Be an Opportunity for Cooperation, Not a Target [4]
- Wilson Center: We Can Get Modern Internet to Yemen. Let’s Not Waste Time [2]
- TS2.tech: Internet Access in Yemen: Overview and Key Aspects [5]
- Internet Society Pulse: Yemen Internet Resilience [1, 6]
- MDPI Sustainability: E-Commerce in Yemen: Opportunities, Barriers, and Strategies [7]
- GBV Responders Network: The Effects of a Gender-Sensitive, Safety-Prioritizing Digital Literacy Training for Women in Yemen [11]
- ARK Group: Storytelling for change: Using Facebook to preserve Yemen’s cultural legacy and drive progress [8]
- UNESCO: Literacy through Poetry Project, Yemen [9]
- South24 Center: E-commerce in Yemen: Individual Successes and Collective Challenges [12]
- AfterShip: eCommerce Statistics in Yemen 2025 [13]
- Sana’a Center for Strategic Studies: Rethinking Yemen’s Economy – Electronic Money and Payment Systems [20]
- ResearchGate: Assessing Factors Affecting E-Wallets Acceptance and Usage in Yemen [16]
- World Bank: Digitalizing G2P Payments in Yemen [21]
- Temenos: Al Kuraimi Islamic Bank Selects Temenos to Accelerate Digital Banking [22]
- CAC Bank: Mobile-Money Wallet [17, 18, 24]
- Cash Wallet Yemen [19]


أضف تعليق